المهندس فاضل أحمد: "تعلمت الكثير من الألمان، وأتمنى أن يتعلموا منا كلمة (نعم)"
16.02.2010
|
ليلي أوبرندورفر
العراقييون وألمانيا \ المجلة
العراقييون وألمانيا \ المجلة

هكذا بدأ فاضل أحمد، مهندس الكهرباء العراقي الذي جاء إلى ألمانيا في صيف عام 2009، حديثه عن الأسابيع التي يقضيها في احدى شركات مدينة مانهايم الألمانية وهو يحاول أن يتعلم من الألمان كيفية نقل تجربتهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى بلاده التي خرجت لتوها من الحرب.
"هنا في ألمانيا أول ما لفت انتباهي وشدني إليه المستوى التكنولوجي العالي الذي تتمتع به ألمانيا. المدن هنا مدن جميلة، المباني والطرقات والساحات العامة وكل ما تراه في هذه المدن هو شيء جميل يشي بأنه جديد وتتم صيانته والمحافظة عليه بشكل جيد، ومن الواضح جدا أن المال يؤدي دورا أساسيا في تحريك الأشياء وجعلها أفضل. ربما نستطيع في العراق أن نستخدم المال أيضا خلال السنوات القادمة في تشييد مدن جميلة وإنشاء المباني الحديثة والساحات العامة والحدائق وتعبيد الشوارع وصناعة الكثير من معالم التحضر والمدنية، ولكن كما أظن ليس هذا هو ما يهمنا الآن. ما يهمنا فعلا هو أن نجد الكيفية التي تمكن فيها العقل الألماني من النظر إلى الأمام بعد تجربة الحرب المريرة".
أحمد الذي يشارك في برنامج "آفاق العراق 2015" مع 18 أكاديميا عراقيا يتدربون معه في شركات ألمانية، يهتم بصفة إستثنائية بـ"عقلية الألمان في العمل"، فالتقنيات التكنولوجية كما يقول أحمد "تأتي وتذهب، والاقتصاد قد ينمو ويتصاعد ثم يهبط مرة أخرى، لكن ما يبقى ثابتا هو التعليم والإرادة لبناء الأشياء والتفكير الجماعي. لا شيء غير هذا يمكن أن يصل بالبلاد إلى ذروة العطاء، ويساعده على التكيف مع التكنولوجيات الحديثة والأفكار الجديدة، وربما تطويرها بنفسه". "بالنسبة لنا كعراقيين"، يضيف أحمد الذي يحمل شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من جامعة بغداد وحصل على شهادة الماجستير في نيويورك، "ما زال علينا أن نطور أنفسنا لنصل إلى عقلية شبيهة بعقلية الألمان البناءة، ومؤكد أن هذا سيستغرق وقتا طويلا جدا".
أحمد مقتنع تماما بأن الألمان يحبون الحياة، ويريدون بناء وتطوير الأشياء بشكل جيد، ويسعون للحفاظ على إنجازاتهم التي حققوها بعد أن خرجوا من تجربة الحرب، وربما لهذا السبب يخاف الألمان من الرجعية والركود أو التدمير. لكن في العراق، يقول أحمد "ما زلنا نحتاج إلى شيء جوهري وحاسم يتيح لنا تطوير بلدنا. نحتاج إلى توافق اجتماعي حول فلسفة لتحقيق التطور والتقدم. لكن قبل هذا، علينا أولا أن نساهم في أن يتعافى بلدنا من ويلات الحروب وتراكمات الماضي، ربما حينها يمكننا أن ننظر إلى المستقبل بشكل حقيقي، ونضع هدفا يستحق العمل الجاد والشاق لتحقيقه وجعله أمرا واقعا".
يشرح أحمد فكرته بناء على الهدف الأساسي من مشاركته في مشروع "آفاق العراق 2015" مع عدد من مواطنيه العراقيين الذين جاءوا إلى ألمانيا من شتى مدن العراق، عراقيون يتحدثون بلغات مختلفة، ويدينون بديانات متعددة ويمتلكون رؤى ربما هي الأخرى مختلفة، لكن ما يجمعهم هو أنهم جميعا عراقيون. يقول أحمد "أنظر إلى المشروع باعتباره فرصة فريدة بالنسبة لي ولزملائي، فعلينا أن ننقل ما نتعلمه من بعضنا البعض ومن الألمان إلى بلدنا ونحاول أن نطبقه هناك".
لكن الأوضاع في العراق شهدت خلال السنوات الماضية توترات قومية وطائفية، أثرت بوضوح على الظروف الحياتية للعراقيين، فأحمد يقول إن العمل يعتمد بشكل كبير على الظروف الحياتية، لكن في العراق "عندما أغادر منزلي في العاصمة بغداد، لا أعرف إذا كنت سأعود في المساء إلى منزلي أم لا. مؤكد أن هاجس الخوف الذي يتملك الإنسان في ظل ظروف من هذا النوع، لا يعطيه القدرة الكافية على استخدام كل طاقته العملية، وقد يصل إلى مرحلة الشك في المغزى الحقيقي من عمله وسط هذه الأجواء، وسيسأل نفسه، ما الفائدة ؟، وهذا قد يدفعه في النهاية إلى فقدانه الإيمان بفكرة إعادة إعمار البلاد".
ويعود أحمد مجددا للحديث عن مشروع "آفاق العراق 2015" الذي التقى خلاله بعراقيين يختلف بعضهم عنه في القومية والدين، "أتمنى فعلا أن يكون هناك المزيد من المشاريع الشبيهة بهذا المشروع". يتدرب في إطار المشروع الرائد "آفاق العراق 2015" الذي يقام بالتعاون بين وزارة الخارجية الألمانية ومعهد غوته واتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية واتحاد الصناعات الألمانية، 18 من الأكاديميين العراقيين في عدة شركات ألمانية مثل شركة لينده (Linde) وكوميرتسبنك (Commerzbank) وسيمنز (Siemens).
"الناس هنا يعترفون بأخطائهم ويحاولون بشكل جماعي إيجاد الحل، لكن في العراق الأمر مختلف، فغالبا ما يتم إخفاء الأخطاء عن عيون الآخرين ولا تكون هناك نظرة متفحصة أو ناقدة، ولهذا لن نتمكن من أن نتعلم من الأخطاء التي نرتكبها والإستفادة منها لتحسين الأداء في المستقبل".
يضرب أحمد مثلا بسيطا يسميه "كيفية التعامل مع الأخطاء"، فهو يرى أن الأخطاء تحدث في ألمانيا كما في العراق أو البلدان الأخرى، لأن الخطأ إنساني بطبيعة الحال والجميع يمكن أن يرتكبوا الأخطاء "لكن هنا في ألمانيا، يكون هناك أولا تقييم للخطوات والمشاريع، وفي حال كان هناك خطأ ما، يتم البحث عن أسباب هذا الخطأ لمعالجته". يوضح أحمد فكرته أكثر بالقول "الناس هنا يعترفون بأخطائهم ويحاولون بشكل جماعي إيجاد الحل، لكن في العراق الأمر مختلف، فغالبا ما يتم إخفاء الأخطاء عن عيون الآخرين ولا تكون هناك نظرة متفحصة أو ناقدة، ولهذا لن نتمكن من أن نتعلم من الأخطاء التي نرتكبها والإستفادة منها لتحسين الأداء في المستقبل. هذا التعامل الصادق مع النفس، والتفكير الصحيح الموجه لإيجاد الحلول والرغبة المستمرة في النهوض والتطور، هو بالتأكيد من أبرز أسباب النجاح الاقتصادي الذي تشهده ألمانيا".
ويضيف أحمد "تعرفت من خلال التدريب العملي على الصفات النموذجية الألمانية مثل الإلتزام بالمواعيد والتقيد بالنظام، لكن اجراءات العمل المنظمة والمنهجية، بحسب ما أعتقده، هي التي تمتلك الأهمية الأكبر، وأعجبني أيضا التوازن الدقيق بين العمل الجماعي والعمل الفردي المستقل". رغم ذلك فإن أحمد وهو يشيد بالعمل الجماعي الجيد لدى الألمان، لا ينسى أن يشير إلى "مشاكل التواصل التي يعاني منها بعض الألمان سواء عن طريق المراسلة الإليكترونية أو عبر الهاتف، ففي أحيان كثيرة لا تصل المعلومات والوقائع بشكل دقيق، وهو ما يتسبب غالبا في نشوء أفكار غير صحيحة". يمكنني القول، والحديث ما زال لأحمد، "أن الألمان كسالى في التواصل مع الآخرين".
"ما فاجأني هو تحفظ الألمان معي في البداية. كانت هناك صعوبة حقيقية في التقرب من الزملاء في العمل، وكانت الصعوبة أكبر في التواصل مع أشخاص من خارج الشركة التي أتدرب فيها. بصراحة هناك الكثير من الشكوك القائمة بين الناس هنا في ألمانيا، على العكس مما تعودنا عليه في العراق، فهنا قد يستغرق إذابة الجليد بينك وبين الآخرين وقتا طويلا، وهذا فعلا أمر مؤسف، لأنه يؤثر بشكل سلبي في مجال تفاعل الثقافات بشكل خاص".
يقترح أحمد على الألمان أن يتعلموا من العراقيين شيئا ما في مجال العلاقات الإنسانية، فهناك شيء يسميه أحمد "المرونة والدبلوماسية في التعامل مع الآخرين"، فبرغم أن الألمان لديهم مرونة عالية في التكيف من الناحية التقنية في مجالات العمل، مثل امتلاكهم لمهارات هندسية عالية في حقل الصناعات النفطية على الرغم من أنهم لا يمتلكون مصادر نفطية أوغازية كبيرة مثل ما هو الحال في العراق، لكن التعامل مع العملاء، وخصوصا أولئك القادمين من المنطقة العربية "ما زال يفتقد إلى التفهم المتعاطف".
كلمة (لا) هي أبرز ما لاحظه أحمد في طريقة تعامل الألمان مع الآخرين، فمثلا "إذا سأل أحد الزبائن رجل أعمال ألماني، هل يمكن تنفيذ فكرتي؟ سيبادر رجل الأعمال فورا إلى القول (لا) فهذا مستحيل"، يقترح أحمد على هذا التاجر أن يظهر مرونة ودبلوماسية في التعامل مع الآخرين، فهذه من إحدى الفضائل الرئيسية في عالم الاقتصاد. يدعو أحمد الألمان إلى التعامل بمرونة أكبر مع الآخرين، والعراقيين على وجه الخصوص، لأنهم كما يقول أحمد "أناس بسطاء يمكن إبهارهم سريعا بأشياء جديدة من الخارج، لكنهم في الوقت نفسه يهتمون أيضا بالعلاقات الإنسانية"، فلربما، كما يتمنى أحمد، "سيتمكن الألمان من أن يتعلموا شيئا في هذا المضمار من العراقيين".
لمزيد من المعلومات عن برنامج "آفاق العراق 2015" أنقر هنا.
Photo: Ala Francis / WPI









