الخصخصة في العراق: الملف المنسي
28.06.2010  | د. ناجح العبيدي   

معلومات عامة \ اقتصاد
E-mail   Print    


غياب الارادة السياسية الواضحة في العراق أدى أيضا إلى تعثر الاصلاحات الاقتصادية واهدار فرص ثمينة لتنمية الاقتصاد العراقي. وما توقف الجهود الرامية للخصخصة سوى مثال على حالة المراوحة التي طغت على الشأن الاقتصادي العراقي.

فيما يتواصل صراع القوى السياسية العراقية على المناصب والنفوذ تبقي الكثير من الملفات مركونة في الأدراج تنتظر من ينفض عنها الغبار. ولعل موضوع الاصلاحات الاقتصادية هو في مقدمة القضايا التي لا تنال اهتمام السياسيين المنشغلين بحسابات الأرباح والخسائر على طريقتهم الخاصة. ومن ضمن الملفات التي أكتنفها النسيان خلال السنوات الماضية هو موضوع الخصخصة. ويعود أهم اسباب هذا التجاهل والذي يشمل الأحزاب الحاكمة و"المعارضة" على حد سواء إلى أن عملية الاصلاحات عموما والخصخصة بوجه خاص هي من القضايا الشائكة التي لا تحظى بشعبية كبيرة نظرا لانها تصطدم بمصالح قوى متنفذة وقد تثير مخاوف وغضب فئات اجتماعية واسعة. وبطبيعة الحال فإن الأحزاب بمختلف إتجهاتها تفضل استرضاء هذه الفئات حتى لو كان ذلك على حساب تنمية الاقتصاد العراقي على المدى الطويل.

تشجيع القطاع الخاص بي النظرية والتطبيق

تتفق معظم التيارات السياسية الرئيسية في عراق اليوم على أهمية دور القطاع الخاص في التنمية. وبالفعل فقد شهد القطاع الخاص بعد الاطاحة بالنظام الشمولي عام 2003 نهوضا غير مسبوق واستغل مئات الالاف العراقيين الحرية الاقتصادية المتاحة لتاسيس مشاريع في مجال التجارة والخدمات والزراعة والنقل والصناعة. بيد أن القسم الأعظم من هذه المشاريع بقي في إطار القطاع غير المنظم ويعاني من صعوبات كثيرة تعود جزئيا إلى عدم الوضوح في السياسة الاقتصادية. ومن الملفت للنظر أن الكثير من مسؤولي الدولة وعندما يواجهون بالسؤال عن الخصخصة في العراق فإنهم يكتفون في أحيان كثيرة بحديث عام عن أهمية الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. وفي تقديري فإن هذا الكلام هو مجرد شعار فضفاض هدفه الالتفاف على جوهر المشكلة والتهرب من اتخاذ إجراءات ناجعة وفعالة. وهو يسعى أيضا لتجنب الالتزام الصريح بنظام اقتصاد السوق الاجتماعي بحيث تتولى الدولة مهمة تصحيح الآثار السلبية لآليات السوق دون أن تكون بديلا عنها. ويأتي ذلك في وقت نرى فيه الدولة تحاول وتحت مببرات كثيرة احكام قبضتها من جديد على الاقتصاد العراقي. وهناك أمثلة عديدة تشير إلى العودة مرة أخرى إلى نظام اصدار الأوامر كبديل للاعتماد على الأدوات المعروفة للسياسات الاقثصادية. ففي أوائل شهر يونيو 2010 وسعت وزارة الزراعة قائمة انواع الخضار التي يحظر استيرادها تحت شعار حماية الانتاج الوطني. ووبطبيعة الحال لا يختلف اثنان حول أهمية حماية الزراعة العراقية من المنافسة الخارجية غير العادلة. ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه: من أين امتلكت وزارة الزراعة صلاحية اتخاذ قرار يؤثر بشكل مباشر على مصالح المستهلكين؟ وهل سنرى قريبا وزارة الصناعة أو التجارة تحذو حذو هذه السياسة؟. وقبل ذلك بايام قليلة قرر مجلس الوزراء احالة مشروع الرخصة الرابعة للهاتف النقال إلى وزارة الاتصالات وعلى أن ينفذ من قبل شركة عامة. وجاء القرار كرد فعل على الشكاوى المتكررة من سوء خدمات الهاتف النقال. ولكن هل الحل يكمن في تولي الدولة لمثل هذه الخدمة أم في ضمان المنافسة في هذا القطاع ومحاربة مظاهر الاحتكار فيه؟. أم هل عادت حليمة إلى عادتها القديمة!

من جهة أخرى لا تزال الدولة تتحكم فعليا في المفاصل الاساسية للاقتصاد العراقي عبر هيمنتها على القطاع النفطي الذي يشكل قرابة 60 % من الناتج المحلي الاجمالي. كما تقوم الدولة وعبر موازنتها العامة بإعادة توزيع أكثر من نصف الناتج المحلي الاجمالي وهي نسبة عالية بكل المقاييس وتعكس مدى تدخل الدولة في الاقتصاد. وكما يؤكد الباحث الاقتصادي د. مظهر محمد صالح فإن ذلك يعبر عن حقيقة كون الاقتصاد العراقي لا يزال يمثل انموذجا للدولة الريعية المركزية.

مؤسسات الدولة : مشاكل مزمنة ومستقبل غامض

تعد مؤسسات الدولة جزءً من الارث الثقيل الذي تركه النظام السابق والذي وجدت الحكومات المتعاقبة نفسها عاجزة عن التعامل معه في ظل عدم وجود تصور واضح حول اعادة تأهيلها بما يتناسب مع الظروف الجديدة. ومن دون شك فإن الشركات الحكومية تشكل حاليا عبئا كبيرا على الاقتصاد العراقي لما تتسبب فيه من هدر غير مبرر لموارد بشرية ومالية هائلة. وبحسب دراسة أجراها البنك الدولي في عام 2004 فإن عدد المؤسسات العامة التابعة للدولة يبلغ 192 تنشط في مختلف الفروع الاقتصادية وتضم نحو 500 مصنع ومنشأة يعمل فيها قرابة نصف مليون شخص. وبإستثناء حل شركة الخطوط الجوية العراقية مؤخرا ولأسباب تتعلق بتعويضات حرب الكويت فإن الوضع خلال السنوات السبع الماضية لم يتغير كثيرا. بل على العكس من ذلك. فالمشاكل االمرحلة تتفاقم يوما بعد يوم. فوفقا لمعلومات وزارة المالية فإن معظم هذه المؤسسات يعمل بخسارة ويعاني من قدم وتهالك معداته الانتاجية ولا يستغل سوى جزء بسيط من طاقاته الانتاجية. ومع ذلك فقد ازداد عدد العاملين في هذه الهيئات والشركات وبحسب أرقام ميزانية الدولة لعام 2010 إلى أكثر من 633 ألف موظف وعامل. ولم تأت هذه الزيادة الكبيرة نتيجة حاجة فعلية لقوى عاملة إضافية، بل هي تعبير عن بطالة مقنعة يتم فيها غالبا التوظيف على اساس المحسوبية والمنسوبية. وقد ساهم الارتفاع الكبير في المرتبات والأجور في أجهزة الدولة والقطاع العام في زيادة الطلب على الوظائف الحكومية. وهو ما انعكس في زيادة عدد العاملين في الوزارات ومرافق الدولة الأخرى والذي تقدره وزارة المالية بأكثر من مليوني شخص تلتهم مرتباتهم وتعويضاتهم المالية الجزء الأكبر من موارد الدولة. ونتيجة لتدني استغلال الطاقات الانتاجية في مؤسسات القطاع العام تُضطر الدولة لتقديم دعم مالي كبير هدفه ليس النهوض بأوضاعها، بل ابقاء هذه المؤسسات واقفة على قدميها. ففي ميزانية عام 2010 رُصد مبلغ يزيد عن 2,5 مليار دولار لهذا الغرض وهو رقم مرشح للزيادة في المستقبل. وبدون دعم الدولة سيكون الكثير منها عاجزا حتى عن دفع أجور عماله. وما يقال عن القطاع العام ينطبق أيضا على الكثير من شركات القطاع المختلط. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يجب الاستمرار في دفع هذا الثمن الباهظ سنويا وعلى مدى يصعب التنبؤ به أم يفضل اللجوء لحلول جذرية؟ فتجرع الدواء المر أفضل من تحول المرض إلى حالة مزمنة ومستعصية. وبطبيعة الحال فإن التضخم غير الطبيعي للعمالة في قطاع الدولة ارتبط أيضا بمحاولة امتصاص البطالة وبالمساعي المبذولة في إطار ما سمي بالمصالحة الوطنية والرامية لتخفيف حدة الصراعات الدائرة بين مختلف فئات الشعب على السلطة والثروة. ومع أهمية ذلك إلا أنه لا يجوز أن يتحول هذا الاسلوب إلى سياسة ثابتة. فالسلم الأهلي لن يترسح على المدى الطويل إلا عبر تطبيق مبدأ المشاركة الديمقراطية الحقيقية للجميع في ثمار التنمية وبغض النظر عن المذهب والقومية.


+ تجربة الخصخصة في شرق ألمانيا: إجراءات جذرية وتحديات ضخمة

لقد جرت بعض المحاولات لتحسين أوضاع المؤسسات تمثلت في تحويل بعضها إلى شركات مساهمة وإشراك القطاع الخاص في رأسمالها وكذلك تأجير بعض المصانع للقطاع الخاص وغيرها. ولكن هذه المحاولات كانت أقرب إلى أنصاف الحلول منها إلى الحلول الجذرية. كما عقدت ندوات مختلفة بهذا الخصوص وآخرها كان حلقة نقاشية حول "إعادة تأهيل المؤسسات الصناعية العامة" نظمها المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي وهو معهد بدأ مؤخرا بلعب دور هام في تسليط الضوء على المشاكل المعقدة التي تواجه الاقتصاد العراقي. إلا أن المداخلات المنشورة لهذه الندوة افتقرت إلى الاشارة بوضوح إلى أن الخصخصة هي غالبا أنجع طريقة لاعادة هيكلة المؤسسات الحكومية المتعثرة.

الخصخصة: موضوع مثير للجدل

بعد عقود عديدة من هيمنة الأفكار الداعية للتأميمات ومبادئ التخطيط المركزي على المستوى الرسمي وكذلك الأكاديمي بدأت المبادرة الخاصة وبتأثير التطورات الداخلية والخارجية تحظى بتأييد أوسع. ومع ذلك لا يزال موضوع الخصخصة يثير جدلا واسعا بين مؤيديها ومعارضيها. وكما تبين تجربة الدول الأخرى فإن عملية الخصخصة تتسبب بتكاليف مالية واجتماعية كبيرة وتثير غالبا معارضة قوية ولدوافع مختلفة. وفي مقدمة جبهة المعارضة يقف عادة المدراء والمسؤولون في مؤسسات القطاع العام نفسها والذين يرون في الخصخصة تهديدا مباشرا لمصالحهم ولمصدر نفوذهم. كما تضم هذه الجبهة جمهرة العاملين في هذه المؤسسات ونقاباتهم والذين ترتبط لديهم الخصخصة بشبح البطالة. فالخصخصة تعني أيضا إلغاءً للوظائف الفائضة وتؤدي أحيانا إلى إغلاق الشركات التى لا أمل في إصلاحها. من جهة أخرى تستغل القوى "الشعبوية"، وما اكثرها في بلادنا، المخاوف من الخصخصة لكسب النقاط والتأييد الشعبي. ولذا فإن النجاح في الخصخصة يعتمد بالدرجة الأولى على مراعاة هذه المخاوف واتخاذ الإجراءات الكفيلة للحد من آثارها الاجتماعية ومساعدة المسرحين ماليا واعادة تأهليهم لتسهيل حصولهم على عمل جديد. ويفضل تأسيس شركات خاصة لاستيعاب العاملين السابقين ولنتفيذ برامج تشغيل وتأهيل تساعدهم في الانخراط بسوق العمل.

من ناحية أخرى فإن وقوف غالبية مدراء ومسؤولي القطاع العام ضد فكرة الخصخصة يعني عمليا أنهم غير قادرين على قيادة عملية الخصخصة نظرا لوجود تضارب واضح في المصالح. ولذا فإن عملية الخصخصة في العراق لن يكتب لها النجاح إلا إذا أسست هيئة مستقلة للخصخصة يتولى قيادتها رجال أعمال وخبراء اقتصاديون لهم خبرة في هذا المجال، وعلى أن ترتبط مباشرة بمجلس الوزراء وتصدر وفقا لقانون جديد يكفل لها الصلاحيات المطلوبة. وتجدر الاشارة هنا إلى المحاولة السابقة لتأسيس الهيئة العراقية للخصخصة واصدار قانون بهذه الخصوص، إلا إن هذه المحاولة سرعان ما أجهضت وتم حل الهيئة دون أن يثير ذلك ضجة كبيرة.

الاصلاحات: خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الخلف

وما يقال عن توقف جهود الخصخصة ينطبق أيضا على الاصلاحات الاقتصادية الأخرى في مجال السياسة المالية والضريبية والصناعية وغيرها. صحيح أن العراق حقق في السنوات الأخيرة نموا اقتصاديا لا بأس فيه، ولكنه يعود بالدرجة الأولى إلى عامل خارجي ليس للجكومة فضل فيه، وهو النفط وارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية. وكان من الممكن أن يصبح هذا النمو قائما على أسس راسخة لو نجحت حكومة نوري المالكي في المضي قدما بالاصلاحات الاقتصادية. بيد أنها فضلت سياسة التلكؤ ولجأت إلى توظيف موارد النفط للتخفيف من آثار المشاكل الملحة دون محاولة حلها جذريا. وكما يؤكد الخبير الاقتصادي مناف الصائغ في دراسة مقدمة إلى المعهد العراقي للاصلاح فإن تحقيق اصلاحات هيكلية في الاقتصاد هي أكثر من أن تقتصر على خصخصة القطاع العام. فالنجاح في هذا المجال أيضا سيتوقف على مدى التقدم في الاصلاح السياسي.

إن أي تنمية مستدامة تتطلب الاعتماد على ثلاثة ركائز اساسية هي الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وعلى أن يلعب كل منها الدور المطلوب منه في إطار علاقة متكاملة ومتوازنة. فأي اعجواج في هذه العلاقة أو طغيان عنصر فيها سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى النظام الشمولي أو الفوضى وتفاقم مظاهر الاستغلال.

Foto: Karim Sahib (AFP/Getty Images)

دليل الشركات الألمانية
التابع للموقع

لمحات عن الشركات
طلبات و عروض