النظام الضريبي في ألمانيا
14.02.2010
|
د. ناجح العبيدي
دليل قانوني \ قوانين
دليل قانوني \ قوانين

الضرائب في ألمانيا ليست قضية تشغل الحكومة وحدها، بل تعني المواطن أيضا الذي يتحمل في النهاية عبئها. فالجميع تقريبا ملزمون بدفع ضرائب متنوعة، والجميع وبما فيهم السياسيون والخبراء يشكون من الأعباء الضريبية ومن تعقيد النظام الضريبي.
يواجه الائتلاف الحاكم بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذه الأيام انتقادات كثيرة من المعارضة والخبراء الاقتصاديين الذين يرون أن خطط الحكومة لتخفيض الضرائب غير قابلة للتطبيق في ظل تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية وتسجيل عجز ميزانية الدولة لأرقام قياسية. وما هذا الجدل سوى مثال على الأهمية الكبيرة التي تحتلها الضرائب في ألمانيا على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهي تؤثر أولا على دخل المواطن بشكل مباشر وبالتالي على مستوى معيشته. ولذا تُعطي الأحزاب الألمانية في برامجها وحملاتها الانتخابية حيزا هاما للسياسة الضريبية. من جهة أخرى تشكل الضريبة المورد الأول بل والوحيد تقريبا لميزانية الدولة ولتمويل ِالبرامج الاجتماعية والاقتصادية لها. فالدولة الألمانية تتجنب التدخل المباشر في الحياة الاقتصادية إلا في حالات استثنائية. وهي لا تملك لا ثروات طبيعية ولا مصانع كبيرة. لهذا يعتمد تأدية الدولة للمهام المناطة بها بالدرجة الأولى على الضرائب. ولذا يوصف المال العام في ألمانيا بأنه أموال دافعي الضرائب، أي أن المواطن هو الذي يمول الدولة وليس العكس. بيد أن دور الضرائب لا يقتصر على مهمة تمويل ميزانية الدولة فقط، بل هي أيضا أداة أساسية للسياسة الاقتصادية للحكومة والتي تستخدمها لبلوغ أهداف اجتماعية واقتصادية وبيئية وغيرها. فهي أولا وقبل كل شيء الوسيلة الاساسية لاعادة توزيع الدخل بين مختلف فئات المجتمع، و بما يضمن الحد الأدني من العدالة الاجتماعية في إطار نظام اقتصاد السوق الاجتماعي السائد في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. من جانب آخر تلجأ الدولة لاستخدام التسهيلات الضريبية لتحفيز النمو في قطاعات معينة وتنظر إليها باعتبارها عاملا أساسيا في التأثير على المناخ الاستثماري. وبناء على ذلك تحرص الحكومة كل عدة سنوات على إجراء إصلاحات للنظام الضريبي هدفها المساعدة في بلوغ الأهداف المذكورة. وقد شهد عاما 2008 و2009 تغييرات جوهرية في النظام الضريبي تستهدف تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني وقدرته على جذب الاستثمارات، إضافة الى مكافحة التهرب الضريبي.
1 ضرائب متنوعة وعوائد ضخمة
2 لاضريبة دون قانون
3 الطابع الفيدرالي للنظام الضريبي
4 ضريبة الدخل: ضريبة تصاعدية ومساع لمكافحة التهرب الضريبي
5 المحاسبة ومسك الدفاتر: وسيلة لا غنى عنها لاحتساب الدخل
6 الضرائب المتعلقة بالشركات: إصلاحات متتالية
7 الضريبة التجارية: أهم مورد للسلطات المحلية
8 ضريبة المبيعات: كنزٌ لا ينضب للايرادات
9 نظام ضريبة القيمة المضافة: طريقة معقدة ولكنها ضرورية
10 السياسة الضريبية و تشجيع الاستثمار
11 الازدواج الضريبي: المشكلة والحل
ضرائب متنوعة وعوائد ضخمة
تُجبي الدولة في ألمانيا أنواعاً كثيرة من الضرائب المباشرة وغير المباشرة يصل عددها إلى العشرات، بدءً من ضريبة البيرة ومرورا بضريبة الكنيسة ووصولا إلى ضريبة الكلاب. لكن من بينها 16 نوعا تزيد عوائد كل منها عن مليار يورو وتشكل 99% من الموارد الضريبية، وأهمها ضريبة الدخل (وبما فيها ضريبة الأجور والمرتبات) وضريبة المبيعات وضريبة الشركات والضريبة التجارية وضريبة المشتقات النفطية. لقد بلغ الحجم الاجمالي للايرادات الضريبية في عام 2008 561 مليار يورو، أي ما يزيد عن ثمانمائة مليار دولار، إلا أنه انخفض بسبب الأزمة المالية والاقتصادية في عام 2009 إلى قرابة 525 مليار يورو. وبهذا تشكل الضرائب حوالي 24 % من الناتج المحلي الاجمالي الألماني، وهي نسبة تعطي فكرة تقريبية عن الدور الحاسم الذي تلعبه الضرائب في الحياة الاقتصادية. أهم ضريبة مباشرة هي ضريبة الدخل التي زادت حصيلتها في عام 2008 عن 200 مليار يورو، اي ما يزيد عن ثلث اجمالي الموارد الضريبية. بينما تجاوزت مساهمة ضريبة المبيعات ثلاثين في المائة وبايرادات بلغت قرابة 175 مليار يورو. وتأتي الضريبة التجارية في المرتبة الثالثة بايرادات تفوق أربعين مليار يورو. كما ترفد ضرائب الاستهلاك كضريبة المشتقات النفطية وضريبة التبوغ خزينة الدولة بموارد مالية كبيرة تقدر بعشرات المليارات.
لاضريبة دون قانون يشكل هذا المبدأ القاعدة الأساسية للنظام الضريبي. إذ لا يمكن لأية سلطة تنفيذية مهما كانت صلاحياتها أن تفرض أي ضريبة دون أن تكون مخولة بذلك بقانون صادر عن السلطات التشريعية. وفي نفس الوقت فإن الضرائب تُطبق على الجميع دون استثناء، طالما أنهم يستوفون الشروط لذلك، وطالما لا يوجد نص قانوني على إعفائهم منها. وتسري حاليا مجموعة كبيرة من القوانين التي تنظم عملية احتساب وجباية كل نوع من الضرائب، هذا بالاضافة إلى قوانين تحدد حقوق وواجبات المواطنين المكلفين بدفع الضرايب من جهة والسلطات الضريبية من جهة أخرى. ومن دون شك فإن القوانين الضريبية تعد جزءً هاما من نظام دولة القانون. فالمكلف بدفع الضربية سواءً كان مواطنا أو شركة أو هيئة يملك من الوسائل القانونية التي تكفل له حق الاعتراض والتظلم ضد قرارات السلطات الضريبية. وإذا تطلب الأمر فإن بإمكانه اللجوء إلى القضاء المستقل الذي يصدر أحكامه وفقا لنص وروح القانون دون محاباة للحكومة أو من يمثلها. وتشكل قرارات المحاكم المالية وبمختلف مستوياتها جزءً لا يتجزأ من النظام القانوني في مجال الضرائب. فعندما تُصدر محكمة مالية قرارا هاما بخصوص ضريبة ما فإن تطبيق هذا القرار لا يسري على القضية المعينة فحسب، وإنما يُعمم على القضايا المماثلة، ويصبح بالتالي جزءً من الأحكام القانونية النافذة وملزما لعمل السلطات الضريبية.
إلا أن النظام الضريبي في ألمانيا يتصف أيضا بتعقيده، إذ بقيت الدعوات التي يطلقها خبراء كثيرون وكذلك أحزاب مختلفة ومن بينها الحزب الليبرالي إلى تبسيط النظام الضريبي مجرد أمنيات طيبة لم تجد طريقها إلى التطبيق.
الطابع الفيدرالي للنظام الضريبي تنقسم ألمانيا من الناحية السياسية والادارية إلى 16 ولاية، والتي تنقسم بدورها إلى بلديات. ولا يقتصر النظام الفيدرالي على الجانب السياسي فقط، بل هناك فيدرالية مالية تتمثل أيضا في توزيع الموارد الضريبية استنادا إلى الدستور والقوانين السارية على المستويات الثلاثة المتمثلة في الاتحاد (الحكومة المركزية) والولايات والسلطات المحلية (البلديات). فهناك ضرائب تذهب حصيلتها بالكامل إلى ميزانية الدولة الاتحادية، وأهمها ضرائب الاستهلاك كضريبة المشتقات النفطية والتبوغ والمشروبات الكحولية وغيرها. أما الولايات فتستحوذ على ضريبة السيارات وضريبة البيرة وضريبة اليانصيب والمراهنات وغيرها . من جانبها تحصل البلديات على مجمل حصيلة الضريبة التجارية وضريبة العقارات. غير أن أهم أنواع الضرائب ، وفي مقدمتها ضريبة الدخل وضريبة المبيعات وضريبة الشركات هي ضرائب مشتركة ، أي أن مواردها تعود إلى السلطات الثلاث وتتوزع بينها وفقا لنسبة محددة بقانون. وبهذه الطريقة تحصل السلطات المختلفة على الموارد اللازمة لأداء مهماتها بشكل مستقل بعيدا عن تسلط المركز. وعلاوة على دوره في تعزيز الاستقلالية المالية يساهم هذا النظام في إذكاء روح المنافسة بين الولايات والمناطق المختلفة ودفعها لتوفير الظروف الملائمة لجذب المستثمرين. من جهة أخرى يوجد نظام للتكافل بين الولايات الثرية والفقيرة، وبما يمنع من ظهور فوارق غير مقبولة في مستوى المعيشة والخدمات فيها.
ضريبة الدخل: ضريبة تصاعدية ومساع لمكافحة التهرب الضريبي تسري ضريبة الدخل على الأشخاص المقيمين في ألمانيا، بغض النظر إن كانوا ألمانا أم أجانب. وتشمل هذه الضريبة عمليا كافة مصادر الدخل تقريبا ، مثل الدخل الزراعي وأرباح المشاريع التجارية والصناعية والخدمية (ماعدا شركات الأموال التي تخضع لضريبة الشركات) ودخل المهن الحرة والمرتبات والأجور والفوائد وعوائد الأسهم وأرباح بيعها وإيجارات العقارات والأراضي والدخول الأخرى. ولا تُستثنى من ضريبة الدخل سوى مصادر قليلة للغاية كجوائز اليانصيب والجوائز الفخرية مثل جائزة نوبل وكذلك أرباح بيع بعض الممتلكات الخاصة، هذا بالاضافة إلى الإعفاءات التي ينص عليها قانون ضريبة الدخل. ويأتي في مقدمة هذه الاعفاءات مبلغ إعفاء أساسي يمنح لكل مواطن وكذلك مبلغ سماح للأطفال وكبار السن. كما تُعفي من الضريبة إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية وما في حكمها. وتهدف هذه الإعفاءات إلى مراعاة العدالة الاجتماعية.
ويقوم عادة الخاضعون للضريبة بتسليم الاقرار الضريبي السنوي إلى الفروع المنتشرة للسلطات الضريبية التي تتولى بدورها احتساب الدخل الاجمالي استنادا إلى المعلومات والبيانات الواردة حول مصادر الدخل ومقدارها. وبعد احتساب الدخل الخاضع للضريبة ضمن عمليات حسابية معقدة تقوم السلطات الضريبية بتقدير الضريبة وفقا للجداول الواردة في قانون ضريبة الدخل. وقد حدد القانون معدلات تصاعدية تزداد بزيادة الدخل. فهي تبلغ صفرا لشريحة الدخل حتى 8004 يورو للعازب و16008 يورو للزوجين. أما ما زاد عن هذا المبلغ فيخضع لمعدل ضريبة يبلغ 14 %. ومع ارتفاع الدخل المشمول بالضريبة يزداد أيضا المعدل ليصل إلى 42 %. وفي عام 2007 أُستحدث ما يسمي بضريبة الأثرياء والتي يبلغ معدلها 45% والتي تسري على الدخل الذي يتجاوز 250 ألف يورو للفرد.
إلا أن هناك أنواعا معينة من الدخل لا تخضع لهذا المعدل التصاعدي وإنما تُجبى منها ضريبة ثابتة تبلغ حاليا 25 % وبغض النظر عن حجم هذه الدخول. وتُدعى ضريبة الدخل هذه بالضريبة المقطوعة وتسري على فوائد حسابات الادخار والقروض وعوائد الأسهم وأرباح المتاجرة بالأسهم والسندات. وأهم ما تتميز به هذه الضريبة التي أُستحدثت عام 2009 هو طريقة جبايتها، إذ يتم استقطاعها في المنبع. ويعني ذلك أن البنوك والشركات لا تدفع الفوائد أو الأرباح إلى أصحابها إلا بعد استقطاع 25% منها وتوريدها لخزانة الدولة. وبهذه الطريقة تضمن الدولة استيفاء الضريبة، ما يساهم في الحد من ظاهرة التهرب الضريبي.
المحاسبة ومسك الدفاتر: وسيلة لا غنى عنها لاحتساب الدخل يعتمد تقدير الضريبة بدرجة كبيرة على مدى الدقة في احتساب الدخل. وإذا كان الدخل في حالة الأجور والمرتبات أمرا يمكن التوصل إليه بسهولة عادة، فإن الوضع يختلف بالنسبة لأرباح رجال الأعمال وأصحاب المشاريع التجارية وغيرها. هنا يتطلب الأمر الالتزام الموحد بقواعد المحاسبة الأصولية وطرق اعداد الحسابات الختامية. وتتضمن القوانين جملة من الأحكام التفصيلية الخاصة بذلك. ونجدها أولا في القانون التجاري الذي تنص مواده على كيفية تقييم الاصول واحتساب الايرادات والتكاليف وتبويب الميزانية الختامية وحساب الأرباح والخسائر. من جهته يستند قانون ضريبة الدخل إلى أحكام القانون التجاري ويضيف إليها تعليمات أخرى حول معدلات اهلاك الأصول الانتاجية ومعاملة الخسائر وغيرها. وكلها تهدف إلى إضفاء نوع من الدقة أثناء احتساب الدخل الخاضع للضريبة. ويُلزم عادة أصحاب المشاريع التجارية بإرفاق الميزانية الختامية وحساب الأرباح والخسائر مع إقرارهم الضريبي السنوى، وبما يتيح للسلطات الضريبية التأكد من صحة البيانات.
ويخضع هذه المجال أيضا لتغييرات مستمرة من أجل مواكبة التطورات الجارية داخليا وخارجيا. ففي عام 2009 أقر البرلمانُ الألماني تعديلاتٍ جوهرية على القانون التجاري الألماني تهدف بالدرجة الأولى إلى استيعاب المعايير الدولية للمحاسبة المالية والمتبعة في بلدان كثيرة، وخاصة لشركات الأموال المدرجة في البورصة. وهو تطور فرضته ظاهرة العولمة وتوسع نشاط الشركات عبر الحدود.
الضرائب المتعلقة بالشركات: إصلاحات متتالية تخضع شركات الأموال، وفي مقدمتها الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة، لعدة أنواع من الضرائب المباشرة. وأهم الضرائب المفروضة حاليا على أرباح الشركات هي ضريبة الشركات والضريبة التجارية. وقد أقدمت الحكومة الألمانية في عام 2008 على إصلاح نظام الضرائب الساري على الشركات. وتضمن هذا الاصلاح تخفيض ضريبة الشركات من 25 % إلى 15 % من الأرباح السنوية. كما خُفض متوسط الضريبة التجارية من نحو 20 % إلى قرابة 14%. وبهذا تم تقليص الأعباء الضريبية المفروضة على كاهل الشركات الألمانية من 45 % إلى نحو 29 %. ويهدف هذا الاجراء بالدرجة الأولى إلى تحسين مناخ الاستثمار ومواجهة ظاهرة هروب رؤوس الأموال وتعزيز السيولة المالية للشركات الألمانية وثنيها عن نقل نشاطها إلى البلدان الأخرى وإلى ما يدعى بالملاذات الضريبية وكذلك جذب المستثمرين الأجانب.
الضريبة التجارية: أهم مورد للسلطات المحلية تعتبر الضريبة التجارية احدى الضرائب المباشرة المفروضة على الشركات بكافة أنواعها وعلى المشاريع الفردية في المجالات التجارية والصناعية والخدمية. وهي تشكل أهم مصدر لتمويل ميزانيات السلطات المحلية التي تملك الحق أيضا في تحديد معدلها. ولهذا السبب يختلف معدل الضريبة التجارية من بلدية إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى تبعا للأولويات التي تضعها السلطات هناك. وفيما يبلغ متوسط هذه الضريبة في ألمانيا حاليا 14 % تقريبا من الأرباح السنوية للجهات المكلفة بدفعها، فإن معدلها الفعلي يتراوح بين قرابة 10 % و نحو 18 %. ويعود هذا الاختلاف إلى أن البلديات الفقيرة نسبيا تعمد إلى تخفيض المعدل بأمل جذب المستثمرين، بينما لا تتردد المدن الغنية التي تشكل مركزا للمال والأعمال كميونيخ وفرانكفورت من فرض معدل أعلى بهدف الحصول على موارد مالية أكثر.
ضريبة المبيعات: كنزٌ لا ينضب للايرادات
تُفرض ضريبة المبيعات، والتي تُسمى أيضا بضريبة القيمة المضافة، على كافة عمليات بيع السلع والخدمات تقريبا. وهي ضريبة غير مباشرة، بمعنى أن المستهلك النهائي هو من يتحمل عبئها المالي في نهاية المطاف، فيما يتولى البائع مهمة جبايتها وتوريدها إلى خزانة الدولة. ويُكلف بجباية ضريبة المبيعات كل من يمارس نشاطا مستقلا هدفه تحقيق الايرادات. وهناك حاليا معدلان لضريبة المبيعات. الأول يبلغ 19 % من السعر ويسري على أغلبية السلع والخدمات، والثاني 7 % ويسري على سلع بعينها مثل المواد الغذائية والكتب والصحف والخدمات الثقافية. ومن الواضح أن هذا التمييز يراعي الجوانب الاجتماعية. ولا تُعفي من ضريبة المبيعات سوى أشياء قليلة ولأغراض محددة، مثل الصادرات بهدف تشجيع الشركات اللألمانية المعتمدة على التصدير، وعمليات بيع الأراضي والعقارات لأنها تخضع لضريبة اقتناء العقارات، هذا بالإضافة إلى إيجارات المساكن والخدمات الطبية لاعتبارات اجتماعية. وقد ازدادت بالتدريج أهمية ضريبة المبيعات حتى أصبحت تشكل مؤخرا قرابة ثلث الايرادات الضريبية. وهو تطور يُتوقع أن يستمر في المستقبل أيضا. وقد أدى تأسيس الاتحاد الأوروبي وإزالة الحدود بين أعضائه وإلغاء الرسوم الجمركية إلى فرض تعديلات كثيرة على نظام ضريبة المبيعات حيث تعمل جميع الدول الأعضاء بالتدريج على توحيد القوانين المنظمة لها في خطوة تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري فيما بينها ومكافحة مظاهر التهرب الضريبي في هذا المجال.
نظام ضريبة القيمة المضافة: طريقة معقدة ولكنها ضرورية يفتخر الألمان بأنهم كانوا السباقين في أوروبا إلى تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة في جباية ضريبة المبيعات والذي اقتدت به بلدان كثيرة ومن بينها بلدان عربية أيضا كتونس ومصر والأردن. والمقصود بهذا النظام الذي دخل حيز التنفيذ في ألمانيا عام 1968 أن المكلف بضريبة المبيعات لا يدفعها كنسبة محددة من مبيعاته الاجمالية، وإنما فقط مقابل الزيادة التي يحققها في قيمة السلعة. فالتاجر على سبيل المثال يشترى السلعة من المُنتج بسعر معين ويدفع إلى جانب هذا السعر ضريبة مبيعات مقدارها 19 % والتي يتولى المُنتج توريدها لصالح الدولة. وعندما يقوم التاجر ببيع السلعة بسعر أعلى إلى المستهلك فإنه يضيف إلى سعرها الجديد ضريبة المبيعات بنسبة 19 % أيضا. ولكنه لا يورد هذه الضريبة كاملة إلى الدولة، وإنما بعد استقطاع الضريبة التي دفعها إلى المنتج. ووفقا لهذا النظام يسمح عادة للمكلفين بضريبة المبيعات بخصم كافة مبالغ ضريبة المبيعات التي دفعوها مقابل مشترياتهم من السلع والخدمات. وربما يوحي هذا النظام بنوع من التعقيد وأنه يفتح المجال أمام التحايل والتلاعب. غير أنه أثبت فعاليته في توزيع الأعباء الضريبية بشكل عادل وفي تعميق تقسيم العمل والتخصص في الاقتصاد الوطني وبالتالي رفع مستوى الانتاجية.
السياسة الضريبية و تشجيع الاستثمار منذ عقودٍ والحكومة الألمانية توظف السياسة الضريبية كأداة لبلوغ أهداف اقتصادية محددة. فعلى سبيل المثال واجهت ألمانيا بعد الوحدة الألمانية أزمة سكان. ولهذا عمدت الحكومة حينها أيضا إلى زيادة كبيرة في معدلات الاهلاك للمباني السكنية والمحددة في قانون ضريبة الدخل. وكان الهدف من ذلك هو تشجيع مستثمري القطاع الخاص لاستثمار أموالهم في بناء المساكن، لا سيما وأن معدلات الاهلاك العالية ستتيح لهم تحقيق خسائر دفترية (وليست خسائر فعلية) الأمر الذي سيعني دفع ضرائب أقل. كما صدرت بعد إعادة توحيد ألمانيا قوانين ضريبية أُقرت خصيصا لدعم إعادة إعمار ألمانيا الشرقية. وعادة ما تنتهي هذه التسهيلات الضريبية بانتفاء الغرض منها. لكن الثابت في السياسة الضريبية هو تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة إنطلاقا من الأهمية القصوى لهذه الشركات في توفير فرص العمل وفي تنمية الاقتصاد عموما. ولهذا يتضمن قانون ضريبة الدخل عدة مواد تنص على منح تسهيلات ضريبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وتتمثل هذه التسهيلات بالدرجة الأولى بالسماح لهذه الشركات باعتماد معدلات اهلاك إضافية للآلات والمعدات المستخدمة من قبلها وبما يكفل تخفيض أرباحها وبالتالي خفض الضرائب المفروضة عليها. كما يُعطي القانون لهذه المؤسسات حق رصد احتياطيات للاستثمارات المستقبلية ، مما يؤدي إلى تقليص الأرباح الحالية ومعها الضرائب أيضا. من جهة أخرى يسمح القانون بتطبيق معدل منخفض نسبيا على الأرباح التي لا يتم توزيعها على المساهمين في شركات الأفراد. ويهدف هذا الاجراء إلى تحفيز هذا النوع من الشركات على الاحتفاظ بالأرباح واستثمارها في توسيع نشاطها بدلا من توزيعها.
الازدواج الضريبي: المشكلة والحل من المشاكل التي تواجه النظام الضريبي لأي بلد هي قضية الازدواج الضريبي والتي تتخذ أبعادا أوسع في ظل العولمة وازدياد أهمية العلاقات الاقتصادية والنشاطات الاستثمارية عبر الحدود. وتنشأ هذه المشكلة بالدرجة الأولى نتيجة لمحاولة كل دولة ممارسة حقها الوطني في فرض الضريبة على المقيمين فيها من أفراد وشركات. فألمانيا تفرض ضريبة الدخل مثلا على أي شخص طبيعي مقيم داخل أراضيها، وبما يشمل جميع مصادر دخله في العالم. وهو ما ينطبق أيضا على الشركات. من جهة أخرى تجبي الدولة الألمانية من الأشخاص غير المقيمين ضرائب طالما أنهم يحصلون على دخول محلية داخل ألمانيا. مقابل ذلك تعتمد الدول الأخرى نفس المبدأ، الأمر الذي يعني أن أي شخص يملك مصادر دخل خارجية سيعاني من عبء ضريبي مزدوج. وهي ظاهرة تخالف مبدأ العدالة الضريبية من جهة وتشكل عقبة أمام حركة الاستثمارات عبر الحدود من جهة أخرى. ومن أجل تجنب الازدواج الضريبي تلجأ الدول عادة لوسائل قانونية عدة ، أهمها ما يدعى باتفاقيات الازدواج الضريبي. وقد أبرمت ألمانيا اتفاقيات منع الازدواج الضريبي مع عدد كبير من دول العالم، ومن بينها دول عربية كمصر والجزائر والمغرب وتونس والامارات العربية المتحدة والكويت. وفي ظل الاهتمام المتزايد للشركات الألمانية للمساهمة في اعادة إعمار العراق ينبغي التفكير بعقد مثل هذه الاتفاقية بين ألمانيا والعراق. وللعلم فإن معظم هذه الاتفاقيات تستند في نصوصها إلى اتفاقية نموذجية أعدتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)
تُجبي الدولة في ألمانيا أنواعاً كثيرة من الضرائب المباشرة وغير المباشرة يصل عددها إلى العشرات، بدءً من ضريبة البيرة ومرورا بضريبة الكنيسة ووصولا إلى ضريبة الكلاب. لكن من بينها 16 نوعا تزيد عوائد كل منها عن مليار يورو وتشكل 99% من الموارد الضريبية، وأهمها ضريبة الدخل (وبما فيها ضريبة الأجور والمرتبات) وضريبة المبيعات وضريبة الشركات والضريبة التجارية وضريبة المشتقات النفطية. لقد بلغ الحجم الاجمالي للايرادات الضريبية في عام 2008 561 مليار يورو، أي ما يزيد عن ثمانمائة مليار دولار، إلا أنه انخفض بسبب الأزمة المالية والاقتصادية في عام 2009 إلى قرابة 525 مليار يورو. وبهذا تشكل الضرائب حوالي 24 % من الناتج المحلي الاجمالي الألماني، وهي نسبة تعطي فكرة تقريبية عن الدور الحاسم الذي تلعبه الضرائب في الحياة الاقتصادية. أهم ضريبة مباشرة هي ضريبة الدخل التي زادت حصيلتها في عام 2008 عن 200 مليار يورو، اي ما يزيد عن ثلث اجمالي الموارد الضريبية. بينما تجاوزت مساهمة ضريبة المبيعات ثلاثين في المائة وبايرادات بلغت قرابة 175 مليار يورو. وتأتي الضريبة التجارية في المرتبة الثالثة بايرادات تفوق أربعين مليار يورو. كما ترفد ضرائب الاستهلاك كضريبة المشتقات النفطية وضريبة التبوغ خزينة الدولة بموارد مالية كبيرة تقدر بعشرات المليارات.
لاضريبة دون قانون يشكل هذا المبدأ القاعدة الأساسية للنظام الضريبي. إذ لا يمكن لأية سلطة تنفيذية مهما كانت صلاحياتها أن تفرض أي ضريبة دون أن تكون مخولة بذلك بقانون صادر عن السلطات التشريعية. وفي نفس الوقت فإن الضرائب تُطبق على الجميع دون استثناء، طالما أنهم يستوفون الشروط لذلك، وطالما لا يوجد نص قانوني على إعفائهم منها. وتسري حاليا مجموعة كبيرة من القوانين التي تنظم عملية احتساب وجباية كل نوع من الضرائب، هذا بالاضافة إلى قوانين تحدد حقوق وواجبات المواطنين المكلفين بدفع الضرايب من جهة والسلطات الضريبية من جهة أخرى. ومن دون شك فإن القوانين الضريبية تعد جزءً هاما من نظام دولة القانون. فالمكلف بدفع الضربية سواءً كان مواطنا أو شركة أو هيئة يملك من الوسائل القانونية التي تكفل له حق الاعتراض والتظلم ضد قرارات السلطات الضريبية. وإذا تطلب الأمر فإن بإمكانه اللجوء إلى القضاء المستقل الذي يصدر أحكامه وفقا لنص وروح القانون دون محاباة للحكومة أو من يمثلها. وتشكل قرارات المحاكم المالية وبمختلف مستوياتها جزءً لا يتجزأ من النظام القانوني في مجال الضرائب. فعندما تُصدر محكمة مالية قرارا هاما بخصوص ضريبة ما فإن تطبيق هذا القرار لا يسري على القضية المعينة فحسب، وإنما يُعمم على القضايا المماثلة، ويصبح بالتالي جزءً من الأحكام القانونية النافذة وملزما لعمل السلطات الضريبية.
إلا أن النظام الضريبي في ألمانيا يتصف أيضا بتعقيده، إذ بقيت الدعوات التي يطلقها خبراء كثيرون وكذلك أحزاب مختلفة ومن بينها الحزب الليبرالي إلى تبسيط النظام الضريبي مجرد أمنيات طيبة لم تجد طريقها إلى التطبيق.
الطابع الفيدرالي للنظام الضريبي تنقسم ألمانيا من الناحية السياسية والادارية إلى 16 ولاية، والتي تنقسم بدورها إلى بلديات. ولا يقتصر النظام الفيدرالي على الجانب السياسي فقط، بل هناك فيدرالية مالية تتمثل أيضا في توزيع الموارد الضريبية استنادا إلى الدستور والقوانين السارية على المستويات الثلاثة المتمثلة في الاتحاد (الحكومة المركزية) والولايات والسلطات المحلية (البلديات). فهناك ضرائب تذهب حصيلتها بالكامل إلى ميزانية الدولة الاتحادية، وأهمها ضرائب الاستهلاك كضريبة المشتقات النفطية والتبوغ والمشروبات الكحولية وغيرها. أما الولايات فتستحوذ على ضريبة السيارات وضريبة البيرة وضريبة اليانصيب والمراهنات وغيرها . من جانبها تحصل البلديات على مجمل حصيلة الضريبة التجارية وضريبة العقارات. غير أن أهم أنواع الضرائب ، وفي مقدمتها ضريبة الدخل وضريبة المبيعات وضريبة الشركات هي ضرائب مشتركة ، أي أن مواردها تعود إلى السلطات الثلاث وتتوزع بينها وفقا لنسبة محددة بقانون. وبهذه الطريقة تحصل السلطات المختلفة على الموارد اللازمة لأداء مهماتها بشكل مستقل بعيدا عن تسلط المركز. وعلاوة على دوره في تعزيز الاستقلالية المالية يساهم هذا النظام في إذكاء روح المنافسة بين الولايات والمناطق المختلفة ودفعها لتوفير الظروف الملائمة لجذب المستثمرين. من جهة أخرى يوجد نظام للتكافل بين الولايات الثرية والفقيرة، وبما يمنع من ظهور فوارق غير مقبولة في مستوى المعيشة والخدمات فيها.
ضريبة الدخل: ضريبة تصاعدية ومساع لمكافحة التهرب الضريبي تسري ضريبة الدخل على الأشخاص المقيمين في ألمانيا، بغض النظر إن كانوا ألمانا أم أجانب. وتشمل هذه الضريبة عمليا كافة مصادر الدخل تقريبا ، مثل الدخل الزراعي وأرباح المشاريع التجارية والصناعية والخدمية (ماعدا شركات الأموال التي تخضع لضريبة الشركات) ودخل المهن الحرة والمرتبات والأجور والفوائد وعوائد الأسهم وأرباح بيعها وإيجارات العقارات والأراضي والدخول الأخرى. ولا تُستثنى من ضريبة الدخل سوى مصادر قليلة للغاية كجوائز اليانصيب والجوائز الفخرية مثل جائزة نوبل وكذلك أرباح بيع بعض الممتلكات الخاصة، هذا بالاضافة إلى الإعفاءات التي ينص عليها قانون ضريبة الدخل. ويأتي في مقدمة هذه الاعفاءات مبلغ إعفاء أساسي يمنح لكل مواطن وكذلك مبلغ سماح للأطفال وكبار السن. كما تُعفي من الضريبة إعانات البطالة والمساعدات الاجتماعية وما في حكمها. وتهدف هذه الإعفاءات إلى مراعاة العدالة الاجتماعية.
ويقوم عادة الخاضعون للضريبة بتسليم الاقرار الضريبي السنوي إلى الفروع المنتشرة للسلطات الضريبية التي تتولى بدورها احتساب الدخل الاجمالي استنادا إلى المعلومات والبيانات الواردة حول مصادر الدخل ومقدارها. وبعد احتساب الدخل الخاضع للضريبة ضمن عمليات حسابية معقدة تقوم السلطات الضريبية بتقدير الضريبة وفقا للجداول الواردة في قانون ضريبة الدخل. وقد حدد القانون معدلات تصاعدية تزداد بزيادة الدخل. فهي تبلغ صفرا لشريحة الدخل حتى 8004 يورو للعازب و16008 يورو للزوجين. أما ما زاد عن هذا المبلغ فيخضع لمعدل ضريبة يبلغ 14 %. ومع ارتفاع الدخل المشمول بالضريبة يزداد أيضا المعدل ليصل إلى 42 %. وفي عام 2007 أُستحدث ما يسمي بضريبة الأثرياء والتي يبلغ معدلها 45% والتي تسري على الدخل الذي يتجاوز 250 ألف يورو للفرد.
إلا أن هناك أنواعا معينة من الدخل لا تخضع لهذا المعدل التصاعدي وإنما تُجبى منها ضريبة ثابتة تبلغ حاليا 25 % وبغض النظر عن حجم هذه الدخول. وتُدعى ضريبة الدخل هذه بالضريبة المقطوعة وتسري على فوائد حسابات الادخار والقروض وعوائد الأسهم وأرباح المتاجرة بالأسهم والسندات. وأهم ما تتميز به هذه الضريبة التي أُستحدثت عام 2009 هو طريقة جبايتها، إذ يتم استقطاعها في المنبع. ويعني ذلك أن البنوك والشركات لا تدفع الفوائد أو الأرباح إلى أصحابها إلا بعد استقطاع 25% منها وتوريدها لخزانة الدولة. وبهذه الطريقة تضمن الدولة استيفاء الضريبة، ما يساهم في الحد من ظاهرة التهرب الضريبي.
المحاسبة ومسك الدفاتر: وسيلة لا غنى عنها لاحتساب الدخل يعتمد تقدير الضريبة بدرجة كبيرة على مدى الدقة في احتساب الدخل. وإذا كان الدخل في حالة الأجور والمرتبات أمرا يمكن التوصل إليه بسهولة عادة، فإن الوضع يختلف بالنسبة لأرباح رجال الأعمال وأصحاب المشاريع التجارية وغيرها. هنا يتطلب الأمر الالتزام الموحد بقواعد المحاسبة الأصولية وطرق اعداد الحسابات الختامية. وتتضمن القوانين جملة من الأحكام التفصيلية الخاصة بذلك. ونجدها أولا في القانون التجاري الذي تنص مواده على كيفية تقييم الاصول واحتساب الايرادات والتكاليف وتبويب الميزانية الختامية وحساب الأرباح والخسائر. من جهته يستند قانون ضريبة الدخل إلى أحكام القانون التجاري ويضيف إليها تعليمات أخرى حول معدلات اهلاك الأصول الانتاجية ومعاملة الخسائر وغيرها. وكلها تهدف إلى إضفاء نوع من الدقة أثناء احتساب الدخل الخاضع للضريبة. ويُلزم عادة أصحاب المشاريع التجارية بإرفاق الميزانية الختامية وحساب الأرباح والخسائر مع إقرارهم الضريبي السنوى، وبما يتيح للسلطات الضريبية التأكد من صحة البيانات.
ويخضع هذه المجال أيضا لتغييرات مستمرة من أجل مواكبة التطورات الجارية داخليا وخارجيا. ففي عام 2009 أقر البرلمانُ الألماني تعديلاتٍ جوهرية على القانون التجاري الألماني تهدف بالدرجة الأولى إلى استيعاب المعايير الدولية للمحاسبة المالية والمتبعة في بلدان كثيرة، وخاصة لشركات الأموال المدرجة في البورصة. وهو تطور فرضته ظاهرة العولمة وتوسع نشاط الشركات عبر الحدود.
الضرائب المتعلقة بالشركات: إصلاحات متتالية تخضع شركات الأموال، وفي مقدمتها الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة، لعدة أنواع من الضرائب المباشرة. وأهم الضرائب المفروضة حاليا على أرباح الشركات هي ضريبة الشركات والضريبة التجارية. وقد أقدمت الحكومة الألمانية في عام 2008 على إصلاح نظام الضرائب الساري على الشركات. وتضمن هذا الاصلاح تخفيض ضريبة الشركات من 25 % إلى 15 % من الأرباح السنوية. كما خُفض متوسط الضريبة التجارية من نحو 20 % إلى قرابة 14%. وبهذا تم تقليص الأعباء الضريبية المفروضة على كاهل الشركات الألمانية من 45 % إلى نحو 29 %. ويهدف هذا الاجراء بالدرجة الأولى إلى تحسين مناخ الاستثمار ومواجهة ظاهرة هروب رؤوس الأموال وتعزيز السيولة المالية للشركات الألمانية وثنيها عن نقل نشاطها إلى البلدان الأخرى وإلى ما يدعى بالملاذات الضريبية وكذلك جذب المستثمرين الأجانب.
الضريبة التجارية: أهم مورد للسلطات المحلية تعتبر الضريبة التجارية احدى الضرائب المباشرة المفروضة على الشركات بكافة أنواعها وعلى المشاريع الفردية في المجالات التجارية والصناعية والخدمية. وهي تشكل أهم مصدر لتمويل ميزانيات السلطات المحلية التي تملك الحق أيضا في تحديد معدلها. ولهذا السبب يختلف معدل الضريبة التجارية من بلدية إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى تبعا للأولويات التي تضعها السلطات هناك. وفيما يبلغ متوسط هذه الضريبة في ألمانيا حاليا 14 % تقريبا من الأرباح السنوية للجهات المكلفة بدفعها، فإن معدلها الفعلي يتراوح بين قرابة 10 % و نحو 18 %. ويعود هذا الاختلاف إلى أن البلديات الفقيرة نسبيا تعمد إلى تخفيض المعدل بأمل جذب المستثمرين، بينما لا تتردد المدن الغنية التي تشكل مركزا للمال والأعمال كميونيخ وفرانكفورت من فرض معدل أعلى بهدف الحصول على موارد مالية أكثر.
ضريبة المبيعات: كنزٌ لا ينضب للايرادات
تُفرض ضريبة المبيعات، والتي تُسمى أيضا بضريبة القيمة المضافة، على كافة عمليات بيع السلع والخدمات تقريبا. وهي ضريبة غير مباشرة، بمعنى أن المستهلك النهائي هو من يتحمل عبئها المالي في نهاية المطاف، فيما يتولى البائع مهمة جبايتها وتوريدها إلى خزانة الدولة. ويُكلف بجباية ضريبة المبيعات كل من يمارس نشاطا مستقلا هدفه تحقيق الايرادات. وهناك حاليا معدلان لضريبة المبيعات. الأول يبلغ 19 % من السعر ويسري على أغلبية السلع والخدمات، والثاني 7 % ويسري على سلع بعينها مثل المواد الغذائية والكتب والصحف والخدمات الثقافية. ومن الواضح أن هذا التمييز يراعي الجوانب الاجتماعية. ولا تُعفي من ضريبة المبيعات سوى أشياء قليلة ولأغراض محددة، مثل الصادرات بهدف تشجيع الشركات اللألمانية المعتمدة على التصدير، وعمليات بيع الأراضي والعقارات لأنها تخضع لضريبة اقتناء العقارات، هذا بالإضافة إلى إيجارات المساكن والخدمات الطبية لاعتبارات اجتماعية. وقد ازدادت بالتدريج أهمية ضريبة المبيعات حتى أصبحت تشكل مؤخرا قرابة ثلث الايرادات الضريبية. وهو تطور يُتوقع أن يستمر في المستقبل أيضا. وقد أدى تأسيس الاتحاد الأوروبي وإزالة الحدود بين أعضائه وإلغاء الرسوم الجمركية إلى فرض تعديلات كثيرة على نظام ضريبة المبيعات حيث تعمل جميع الدول الأعضاء بالتدريج على توحيد القوانين المنظمة لها في خطوة تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري فيما بينها ومكافحة مظاهر التهرب الضريبي في هذا المجال.
نظام ضريبة القيمة المضافة: طريقة معقدة ولكنها ضرورية يفتخر الألمان بأنهم كانوا السباقين في أوروبا إلى تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة في جباية ضريبة المبيعات والذي اقتدت به بلدان كثيرة ومن بينها بلدان عربية أيضا كتونس ومصر والأردن. والمقصود بهذا النظام الذي دخل حيز التنفيذ في ألمانيا عام 1968 أن المكلف بضريبة المبيعات لا يدفعها كنسبة محددة من مبيعاته الاجمالية، وإنما فقط مقابل الزيادة التي يحققها في قيمة السلعة. فالتاجر على سبيل المثال يشترى السلعة من المُنتج بسعر معين ويدفع إلى جانب هذا السعر ضريبة مبيعات مقدارها 19 % والتي يتولى المُنتج توريدها لصالح الدولة. وعندما يقوم التاجر ببيع السلعة بسعر أعلى إلى المستهلك فإنه يضيف إلى سعرها الجديد ضريبة المبيعات بنسبة 19 % أيضا. ولكنه لا يورد هذه الضريبة كاملة إلى الدولة، وإنما بعد استقطاع الضريبة التي دفعها إلى المنتج. ووفقا لهذا النظام يسمح عادة للمكلفين بضريبة المبيعات بخصم كافة مبالغ ضريبة المبيعات التي دفعوها مقابل مشترياتهم من السلع والخدمات. وربما يوحي هذا النظام بنوع من التعقيد وأنه يفتح المجال أمام التحايل والتلاعب. غير أنه أثبت فعاليته في توزيع الأعباء الضريبية بشكل عادل وفي تعميق تقسيم العمل والتخصص في الاقتصاد الوطني وبالتالي رفع مستوى الانتاجية.
السياسة الضريبية و تشجيع الاستثمار منذ عقودٍ والحكومة الألمانية توظف السياسة الضريبية كأداة لبلوغ أهداف اقتصادية محددة. فعلى سبيل المثال واجهت ألمانيا بعد الوحدة الألمانية أزمة سكان. ولهذا عمدت الحكومة حينها أيضا إلى زيادة كبيرة في معدلات الاهلاك للمباني السكنية والمحددة في قانون ضريبة الدخل. وكان الهدف من ذلك هو تشجيع مستثمري القطاع الخاص لاستثمار أموالهم في بناء المساكن، لا سيما وأن معدلات الاهلاك العالية ستتيح لهم تحقيق خسائر دفترية (وليست خسائر فعلية) الأمر الذي سيعني دفع ضرائب أقل. كما صدرت بعد إعادة توحيد ألمانيا قوانين ضريبية أُقرت خصيصا لدعم إعادة إعمار ألمانيا الشرقية. وعادة ما تنتهي هذه التسهيلات الضريبية بانتفاء الغرض منها. لكن الثابت في السياسة الضريبية هو تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة إنطلاقا من الأهمية القصوى لهذه الشركات في توفير فرص العمل وفي تنمية الاقتصاد عموما. ولهذا يتضمن قانون ضريبة الدخل عدة مواد تنص على منح تسهيلات ضريبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وتتمثل هذه التسهيلات بالدرجة الأولى بالسماح لهذه الشركات باعتماد معدلات اهلاك إضافية للآلات والمعدات المستخدمة من قبلها وبما يكفل تخفيض أرباحها وبالتالي خفض الضرائب المفروضة عليها. كما يُعطي القانون لهذه المؤسسات حق رصد احتياطيات للاستثمارات المستقبلية ، مما يؤدي إلى تقليص الأرباح الحالية ومعها الضرائب أيضا. من جهة أخرى يسمح القانون بتطبيق معدل منخفض نسبيا على الأرباح التي لا يتم توزيعها على المساهمين في شركات الأفراد. ويهدف هذا الاجراء إلى تحفيز هذا النوع من الشركات على الاحتفاظ بالأرباح واستثمارها في توسيع نشاطها بدلا من توزيعها.
الازدواج الضريبي: المشكلة والحل من المشاكل التي تواجه النظام الضريبي لأي بلد هي قضية الازدواج الضريبي والتي تتخذ أبعادا أوسع في ظل العولمة وازدياد أهمية العلاقات الاقتصادية والنشاطات الاستثمارية عبر الحدود. وتنشأ هذه المشكلة بالدرجة الأولى نتيجة لمحاولة كل دولة ممارسة حقها الوطني في فرض الضريبة على المقيمين فيها من أفراد وشركات. فألمانيا تفرض ضريبة الدخل مثلا على أي شخص طبيعي مقيم داخل أراضيها، وبما يشمل جميع مصادر دخله في العالم. وهو ما ينطبق أيضا على الشركات. من جهة أخرى تجبي الدولة الألمانية من الأشخاص غير المقيمين ضرائب طالما أنهم يحصلون على دخول محلية داخل ألمانيا. مقابل ذلك تعتمد الدول الأخرى نفس المبدأ، الأمر الذي يعني أن أي شخص يملك مصادر دخل خارجية سيعاني من عبء ضريبي مزدوج. وهي ظاهرة تخالف مبدأ العدالة الضريبية من جهة وتشكل عقبة أمام حركة الاستثمارات عبر الحدود من جهة أخرى. ومن أجل تجنب الازدواج الضريبي تلجأ الدول عادة لوسائل قانونية عدة ، أهمها ما يدعى باتفاقيات الازدواج الضريبي. وقد أبرمت ألمانيا اتفاقيات منع الازدواج الضريبي مع عدد كبير من دول العالم، ومن بينها دول عربية كمصر والجزائر والمغرب وتونس والامارات العربية المتحدة والكويت. وفي ظل الاهتمام المتزايد للشركات الألمانية للمساهمة في اعادة إعمار العراق ينبغي التفكير بعقد مثل هذه الاتفاقية بين ألمانيا والعراق. وللعلم فإن معظم هذه الاتفاقيات تستند في نصوصها إلى اتفاقية نموذجية أعدتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)
++++++++++++++++
يُقال إن سبعين في المائة من الكتب والدراسات الصادرة في العالم والتي تبحث قضايا الضرائب تُنشر باللغة الألمانية. وإذا كان من الصعب إثبات ذلك فإن من المؤكد أن موضوع الضرائب سيبقى حاضرا بقوة في الأوساط السياسية والاقتصادية في ألمانيا وأن المزيد من الدراسات والابحاث ستصدر في ألمانيا طالما أن النظام الضريبي مرشح لتغييرات وتعديلات لاحقة ستفرضها التطورات المتوقعة في الحياة الاقتصادية.
Photo: picture-alliance / Bildagentur-online
Photo: picture-alliance / Bildagentur-online









